ابن فرحون
67
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
وعشرين وسبعمائة ، فأعان اللّه تعالى ورزقني على الاشتغال إقبالا كثيرا ، وحسدت حسدا عظيما ، وقصدت بالأذى فزادني طولا . كثير يظنون أنهم يسعون في إخمالي وحط منزلتي ، وما سعوا إلا في ظهوري ونشر فضيلتي . وللّه درّ القائل : من خصّ بالشكر الصديق فإنني * أحبو بخالص ودّي الأعداء ورووا عليّ معايبي فحذرتها * ونفيت عن أخلاقي الأقذاء جعلوا التنافس في المعالي ديدني * حتى رفعت بفعلي الجوزاء ولربما انتفع الفتى بعدوّه * فالسّم أحيانا يكون شفاء ومع ذلك فقابلتهم بالحلم عليهم ، والإحسان إليهم ، وصبرت إلى أن فرج اللّه تعالى ، والنّصر مع الصبر ، فللّه الحمد على كل حال . وللّه در القائل : ما دمت حيا فدار النّاس كلّهم * فإنما أنت في دار المدارات من يدر دارى ومن لا يدر سوف يرى * عما قريب قرينا للندامات ومما جرى لي مع هذا الشيخ في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ، أنه تحامل عليّ بعض القضاة ، ولفيف من أولئك الحسدة ، فرموني عند الأمير طفيل « 1 » برمية بلية ، وذكروا أن شخصا مات وترك عندي مالا كثيرا ، ولم يكن من ذلك شيء ، إلا أن ذلك الشخص أودعني مبلغا قليلا ، وصّى به في شراء نخيلات تكون وقفا على رباط السبيل ، فقلت للأمير وأعوانه : ليس عندي غير هذا ، وقد وصّاني فيه بكذا ، ومعي على ذلك شهود جياد أحدهم الشيخ عز الدين دينار شيخ الحرم ، والآخر الشيخ عز الدين الواسطي ، وكان الأمير طفيل غائبا في الفلاة ، واشتغل بي ذلك القاضي وتلك الجماعة ، وكانت قضية عويصة ، صادفت أوقاتا شنعة ، وعدا بشعة ، لها قضية طويلة جرى لي في أثنائها ألطاف عديدة .
--> ( 1 ) هو : الطفيل بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني : كان أمير المدينة أيام السلطان محمد قلاوون ، ولي الإمارة في شعبان سنة 728 ، وتوفي سنة 752 . ترجمته في : « الدرر الكامنة » 2 / 223 ( 2034 ) ، « التحفة اللطيفة » 1 / 468 ( 1863 ) .